نصر بن محمد السمرقندي الحنفي

64

تنبيه الغافلين في الموعظة باحاديث سيد الانبياء والمرسلين ( ويليه بستان العارفين )

بالإحسان يعني إلى الناس والعفو عنهم ، وإيتاء ذي القربى يعني يأمر بصلة الرحم ، فأمر بثلاثة أشياء ثم نهى عن ثلاثة أشياء فقال عزّ وجل وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ الفحشاء المعاصي والمنكر ما لا يعرف في شريعة ولا سنة والبغي الاستطالة على الناس يَعِظُكُمْ يعني يأمركم بهذه الأشياء الثلاثة وينهاكم عن هذه الثلاثة لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ يعني لكي تتعظوا . وروي عن عثمان بن مظعون رضي اللّه تعالى عنه أنه قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم صديقا لي وما أسلمت إلا حياء من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لأنه كان يدعوني إلى اللّه فأسلمت ولم يكن يستقر الإسلام في قلبي فجلست عنده يوما يحدثني إذ أعرض عني فكأنه يحدث أحدا بجنبه ثم أقبل عليّ فقال نزل عليّ جبريل عليه الصلاة والسّلام فقرأ هذه الآية إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى الآية فسررت بذلك واستقر الإسلام في قلبي فقمت من عنده وأتيت عمه أبا طالب فقلت له كنت عند ابن أخيك فأنزلت عليه هذه الآية ، فقال أبو طالب تابعوا محمدا تفلحوا وترشدوا ، واللّه إن ابن أخي يأمر بمكارم الأخلاق لئن كان صادقا أو كاذبا لا يدعوكم إلا إلى الخير ، فبلغ ذلك النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فطمع في إسلامه فأتى إليه ودعاه إلى الإسلام فأبى أن يسلم فنزلت هذه الآية إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ فقد ذكر اللّه عزّ وجل في هذه الآية صلة الرحم ، وقال في آية أخرى فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ يعني الذين يقطعون الرحم ، ويقال إن اللّه تعالى لما خلق الرحم قال : أنا الرحمن وأنت الرحم أقطع من قطعك وأصل من وصلك . وذكر أن الرحم معلق بالعرش ينادي الليل والنهار : يا رب صل من وصلني فيك واقطع من قطعني فيك . قال الحسن البصري رحمه اللّه تعالى : إذا أظهر الناس العلم وضيعوا العمل وتحابوا بالألسن وتباغضوا بالقلوب وتقاطعوا بالأرحام لعنهم اللّه فأصمهم وأعمى أبصارهم . ( قال الفقيه ) رضي اللّه تعالى عنه ، حدثني أبي قال : حدثنا محمد بن حمزة أبو الحسين الفراء الفقيه قال : حدثنا أبو بكر الطوسي قال : حدثنا حامد بن يحيى البلخي قال : حدثنا يحيى بن سليم قال : كان عندنا بمكة رجل من أهل خراسان وكان رجلا صالحا وكان الناس يودعونه ودائعهم ، فجاء رجل فأودعه عشرة آلاف دينار وخرج الرجل في حاجته ، فقدم الرجل مكة وقد مات الخراساني وسأل أهله وولده عن ماله فلم يكن لهم به علم ، فقال الرجل لفقهاء مكة وكانوا يومئذ مجتمعين متوافرين : أودعت فلانا عشرة آلاف دينار وقد مات وسألت ولده وأهله فلم يكن لهم بها علم فما تأمرونني ؟ فقالوا نحن نرجو أن يكون الخراساني من أهل الجنة فإذا مضى من الليل ثلثه أو نصفه فائت زمزم فاطلع فيها وناد يا فلان ابن فلان أنا صاحب الوديعة ، ففعل ذلك ثلاث ليال فلم يجبه أحد ، فأتاهم وأخبرهم فقالوا إنا للّه وإنا إليه راجعون نحن نخشى أن يكون صاحبك من أهل النار ، فأت اليمن فإن فيها واديا يقال له برهوت وبه بئر فاطلع فيها إذا مضى ثلث الليل أو نصفه فناد